المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم
المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم
- تبنى مشروعات جمع وتوثيق ونشر وإصدار التراث الثقافى . - تنظيم المؤتمرات والمعارض والدورات وتبادل الخبرات . - إنشاء اتحاد المترجمين الروس العرب . - تبنى مشروعات ترجمة ونشر الكتب والمجلات العلمية والثقافية وإصدارها . - تعليم اللغة العربية والروسية وإدارة المشروعات التعليمية مع الهيئات والجامعات والمؤسسات ذات الصلة بالبلدين . - إدارة وتشغيل المشروعات التعليمية والأكاديمية والفنية من خلال التعاون مع الهيئات والمؤسسات . - تتبنى المؤسسة مشروعات لجمع التراث العربى بالمكتبات والجامعات الروسية . - تم ترجمة 200 كتاب روسي عربى فى مختلف المجالات المعروفة .
المؤسسة المصرية الروسية للثقافة والعلوم

الأخبار

د. محمد عباس نموذج الأكاديمي الموسوعيّ وفوبيا التخصص

د. محمد عباس نموذج الأكاديمي الموسوعيّ وفوبيا التخصص

د. محمد عباس نموذج الأكاديمي الموسوعيّ وفوبيا التخصص

بعد التحاق الأديب الكبير نعمان عاشور بكلية الحقوق قرر الالتحاق بكلية الآداب مُغاضِباً أهله عندما علم بأن طه حسين عو عميدُها، وحينما قام نعمان بعرض عليه أوراق التحويل من الحقوق للآداب استدعاه إلى مكتبه، وسأله طه حسين: ماذا قرأت من كتب الأدب؟! فأجابه نعمان أولاً: قرأت كتاب "الأيام"، فاستبعده جانباً، وردد: والكتب الأخرى؟! فقال نعمان عاشور: مسرحيات شوقي والديوان للعقاد والمازني وأهل الكهف لتوفيق الحكيم وكل روايات المنفلوطي وجورجي زيدان، فهز طه حسين رأسه باسماً وهو يقول لمن حوله: "يُقبَل تحويله فوراً."   

كلما تذكرت أو قرأت الموقف الذي استهللت به في السطور أعلاه، والذي حلّ في أحد مؤلفات أنيس منصور يجئ على رأسي مباشرة مشهدٌ بانوراميّ يجسده لقائي الأول مع أستاذنا الدكتور محمد عباس أستاذ الأدب والنقد الروسي بكلية الألسن جامعة عين شمس والمثقف الكبير والمتشبع بفنون الأدب والفلسفات والثقافات. حينها كنت أرغب في استكمال دراستي العليا والماجستير مع حضرته، ورفض في بادئ الأمر بسبب كثرة انشغالاته وارتباطاته وكذلك بعمله في أكثر من دراسة ومشروع كذلك للترجمة. إلى أن حل لقاء الفصل بمكتبِه، وحينها قدمت وابلا من الإلحاحات، وتمنياً بمستقبلٍ أكاديميّ في حضرة أستاذيته، واسمٌ يسعى لأن يحفر حروفه في عالم المقارنات والأدب لأن يقترن باسمه، ولما لا وكانت صورته منذ أن كان مُدرساً لنا بالجامعة  .. حاضرة .. وراسخة .. صدمة للعقل لم يبلى أثرها بعد .. وكانت هي -أي الصورة-  المجسد الرئيسي لعقلٍ يريد أن يكون الأدب الروسيّ بوابته إلى الآداب، وإطلالة لأن تنقله وتمر به على كافة الثقاقات ومنابع المعرفة ومشاربها.

أجلس أمامه بهندامه الأنيق الغير تقليديّ .. وهنا نقطةٌ عابرة ومِزية جانبية تدل على سمة من سمات شخصياته .. حيث كانت سترته "جاكيت البدلة" دائماً مختلفة عن بِنطالة وكأنها رمزية تشير إلى حبه دائماً لأن يشكل المعنى والموضوع من موضوعات عدة، ومن هنا كان الإبداع وأناقة الملبس، والكلمة كذلك، تأتي من التأليف والجمع والاعتماد على أكثر من عنصر، وكنت ألاحظ الموضوع بشدة .. وكنت أراها مدخل سيميائيّ  وأحد مفاتيح كاركتره المميز المتفرد. وكأنها رسالة لمن يعرفه لأول مرة؛ إذ أن العنوانّ إلى أستاذٌ متمردٌ  على المألوف في أفكاره -وحقٌ ذلك وسنسرد عنه في سطورنا المقبلة- وما اعتاده الناس، وشخصية مثيرة اعتادت وأن تثير الجدل في الجامعة بمعيارٍ متوازٍ مع ما جاء في مؤلفاته ودراساته وتعقيباته ومداخلاته داخل فناءات الجامعة والكلية، وبكافة المحافل الثقافية التي حل بها ضيفاً أو محاضراً .

يسألني عما قرأته وأعرفه، وما أتذكره من أعمال قد درستها بالجامعة .. وعما أعرفه عن الأدب الروسي وحضارة روسيا وثقافتها عبر العصور، وحينها تناسيت أن الموضوع لإثبات ذاتي أمامه، ليرضى بأن يكون مشرفاً على بحثي، إلى أن تحول الأمر إلى مناقشة شيقة .. وممتعة وقد أبحرنا فيها في اتجاهات أدبية عِدة ومدارس وثقافات واتجاهات مختلفة انتهت بقناعة جزئية من جانبه عن الباحث الذي سيحل دارساً على يدِه، وضماناً بأنه سيكمل رسالته في المزاوجات والمقارنات بين الأدب الروسيّ وغيره من الآداب بمحاولة باحثٍ -يمثله كاتب السطور- يأمل في أن يكتشف آفاقاً أخرى في عوالم تشييخف وجوركي وكارامزين وتالستوي وداستاييفسكي وأندرييف، على غير القليل مما تعلمه في الجامعة.

تمر الأيام، وفي لقاءٍ قد كنا اتفقنا عليه لاستكمال إعداد الخطة والتي كان موضوعها عن مقارنة أدبية لبحث تأثيرات الأدب الفرنسي، وروسو بالأساس، على كلا من الأديب العاطفي الروسيّ نيكالاي كارامزين، والأديب المصري التنويري محمد حسين هيكل. أنتظره عند مكتبه، يحل كذي العادة في موعِده أو قبله ينتظرني في مكتبه، وهذه المرة نصل في نفس الوقت .. نلِج إلى مكتبه ويرى قصاصة مُلقاة على الأرض بردهة مكتبِه. رأيته وقد انحنى وأمسك بها وأتذكر أنها كانت جزءاً من نصٍ روسيّ لأحد الأدباء، ووجدته وقد استغرق في قراءتها والتحليق بفكره لثوان: ويكأن قد جاءت فكرة لموضوع بحثيّ .. أو موضوع لدراسة فيها ما فيها من موازنات ومقارنات من النوع الذي كان يعشق الإبحار فيه .. ورأيته ينظرُ إليّ؛ مبرراً ما يفعله، ويقول: جوركي -أي الأديب الروسي مكسيم جوركي- كان يقول دوماً: "اقرأ كل ما يقع في يديك" وها أنا ذا أنفذ وصيته، واستطرد قائلاً: اقرأ يا محمد كل ما تملك وأن تقرأه، اقرأ في أي شئ المهم وأن تقرأ، لا تقتصر فقط على الأدب الروسيّ وقراءات الأكاديميا والتخصص؛ فالباحث الجيد هو ما يقرأ خارج تخصصه مقدار ما يقرأه في تخصصه الدقيق والأصيل ..

والموقف ذلك أحد المفاتيح الرئيسية لشخصية أستاذنا الراحل .. الموسوعيّ .. المؤسس لاتجاه "شمول المعرفة" داخل قسم اللغة الروسية وداخل الجامعة عموما، حيث كان يؤمن بأن الاطلاع العام مقدَمٌ على الاستغراق في قراءات التخصص، والمرور على ما جادت به القرائح والآداب فرض عين على كل باحث دون الاقتصار والانخراط في اطلاعات وتمحيصات الأكاديميا الضيقة، حيث كانت الموسوعية والسعي إليها لدى د. محمد عباس فوق التخصص سالكاً درب جافلة المثقفين في مصر المنادين بهذا الاتجاه كالعقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ومحمود تيمور ويحيى حقي والذين -بالمناسبة- كان لهم نصيب كبير من حكايا د. محمد عباس وأقصوصاته خلال محاضراته عموما وجلساتنا الثقافية خاصةً أثناء مناقشة أيٍ من موضوعات البحث.

ونجد أصداء هذي الموسوعية حاضرة بقوة في مؤلفاته وترجماته، وكان ضمنها "بين روسيا والشرق العربي"، "مسرحيات أنطون تشيخف ذات الفصل الواحد"، "أنطون تشييخف بعيون مصرية"، "قصص وحكايات من زمن فات ليف تالستوي وآخرون"، بالإضافة إلى عدد من الدراسات الثرية في حقليّ النقد المقارنة، ومنها: "تشيخف وموباسان في كفتيّ الميزان"، "أمسيات ومعطف جوجل"، "صورة الطفل في أدب أنطون تشييخف ويوسف إدريس"، ودراسته حول محمد علي وبيتر الأول والعديد في حقول الفودفيل "المسرحية ذات الفصل الواحد" وأدب الرحلة والاستعراب والاستشراق. وكثير من هذه الدراسات قد زاد ثراؤها وقيمتها بمشاركة زوجته الوفية، أستاذتنا د. نادية إمام سلطان، أستاذة الأدب والنقد المرموقة بكلية الألسن، والتي لها دراسة مهمة ذائعة الصيت وقد نشرت في العديد من الدوريات والمجلات والصحف، وكانت بعنوان "تأثير ألف ليلة وليلة على الأدباء الروس في القرن التاسع عشر".

وبما أننا تحدثنا عن "الموسوعية" وتمحورها كعنصر رئيسي في المنهج الفكري الذي حتما نعمد إليه -أي العنصر هذا- حينما نتجه إلى تفكيك شخصية د. محمد عباس كأحد أهم نُقاد ودارسي وباحثي الأدب الروسي في الوطن العربي  -إلى جانب أسماء عدة من أساتذتنا مثل د. مكارم الغمري، د. أبو بكر يوسف، ود. نادية إمام - نتجه الآن إلى العناصر الأخرى المُؤَلِفى لمنهاج د. محمد عباس، وهو منهج "التأصيل" المرتبط بالموائمة بين جذريّ الثقافة الإسلامية والفرعونية، وقلما نجد باحثاً يعمل على دمج الحضارتين والاعتزاز بمآثر الحضارتين والثقافتين دون إثبات تفوق إحداها إلى الأخرى كما يفعل -وفعل- العديد من الكُتب والنُقاد؛ رغبةً في انتصارٍ إيديولوجيّ أو التظاهر بترف الموضوعية حينما ينتقدون إحديهما لإعلاء شأن الأخرى، ومن هنا كان د. محمد عباس مهتماً بشكل كبير بالقصص والأدب الفرعوني، ويجدر بنا في هذا المضمار أن نذكر أن د. عباس كان يُدرِس ويحاضر في مواد التاريخ الفرعوني بالروسية لطلاب وشُعَب الإرشاد السياسي بأماكن وجامعات عدة وكان أحد مُحكمي رخصة منحها. وبعض دراساته ومؤلفاته كانت تحفل بهذه الإضاءات ذات الجذور الفرعونية.

وفيما يخص اعتزازه ودفاعاته بالثقافة والحضارة الإسلامية نجد ذلك حاضراً في أحد مقالاته في كتاب "بين روسيا والشرق العربي"، حينما يقول: "ولا ريب في أن الحضارة العربية الإسلامية ذات الجوهر الديني المقدس وما بها من تراث ضخم للإنسانية وثقافة سامية قد مهدت الطريق إلى الحضارة الأوروبية الحديثة، فهي لم تقف حائلاً للاهتمام بمناهج الأدب .. ولهذا أشرقت الحضارة العربية الإسلامية وصبحت منارة يهتدي إليها كل من متعطش إلى المعرفة في مختلف العلوم الطبيعية والفلسفية والأدبية والدينية"، ولهذا فقد شارك في إعداد الدراسات عن تموضع الحضارة الإسلامية في مرآة الاستشراق الروسي، وعن شخصيات إسلامية كمحمد عياد طنطاوي ..إلخ. والمهم مؤلفه بمشاركة زوجته "الإسلام بين الحقيقة والإدعاء" الذي حمل ضحداً لكافة الافتراءات المُثارة  ضد الإسلام باللغتين العربية والروسية.

وفي ظل اعتزازه بالقيم الحضاراتية الإسلامية وبالثقافة الإسلاموية عموما كمنهاجاً ضمن كتاباته ودراسته، إلا أنه كان في ذينك الوقت بوابةً كؤود تتصدى لأفكار التطرف والانغلاق والرجعية، ضمن منهجٍ تنويريّ قد آمن به على غرار محمد حسين هيكل وأمين الخولي والمنفلوطي، فقد اعتاد في ذات الوقت في محاضراته بالأخص على صدمة عقول طلابه بأفكارٍ ومفاهيم تضحد القوالب التي تعمل على تأخرهم الفكري وتورطهم في القعود عن تحصيل العلم؛ عملاً بميدأ المفكر السعوديّ التنويريّ: "العقل يحتله الأسبق إليه"، وكان يحث طلابه ولو بشكل غير مباشر على التفكير النقدي الواعي المتأمل اللامتناهي الذي يُعَد حجر أساس في بناء أي  عقلية أكاديمية ترغب في التحرر من المعارف التقليدية المُعدة التي تعيق تطور الشخصية العلمية لدى الباحث، وتقوم بخدمة الهدف الرئيسي الذي كرّس د. محمد عباس نفسه له ألا وهو سيادة المنهج المقارن والسعي نحو الموسوعية بدلاً من قيد ووهم التخصص الضيّق، وهنا يعد الكوجيطو "أو منهج الشك الديكارتي" ومبادئ التفكير النقدي والاستقراء أحد أهم معايير الشخصية الأكاديمة لـ د. محمد عباس.

أيضاً ضمن العناصر البارزة التي تُشكل شخصية د. محمد عباس، وهو مبدأ "حرية التربية" و"حرية الاختيار المعرفي" الذي عرض له في مقدمة ترجمته لقصص وحكايات تالستويّ؛ فكان يرى أن التعليم الأكاديمي لذاته دون قيمة مُضافة إلى الطالب يقتل "العقل" باسم "العقل"، ولابد من ترك المساحات والفراغات للطلاب لأن يقوموا بعرض قناعاتهم وأفكارهم ورؤاهم، وليس من فراغ أن يكون أغلب وقت محاضراته في الجامعة لمحاور النقاش ومقارنة العمل الأدبي /النماذج المُقررة بمثيلاتها ونظائرها في آداب أخرى وبنماذج أبطال آخرين لدى عظام المؤلفين والكتاب والفلاسفة، الذي كان يعمل على إمتاع ومؤانسة عقول الطلاب الحاضرين والمهتمين بنقل المعرفة منه خاصة في مراحل الدراسات العُليا، حيث كان يتنسى لمعظم شباب الباحثين وصغار الأكاديميين -وقد تشرفت بأن أكون منهم- لمجالسته والتفرد بحديثه الموسوعيّ الشيّق في مختلف المشارب والثقافات.

وأتذكر حين الحديث عن هذا الموضوع، المنهج المقرر لـ د. محمد عباس في أحد السنين الدراسية بالجامعة كان فقط 7 ورقات، لقصة "ليزا المسكينة" للمؤلف والأديب العاطفي الروسي نيكالاي كارامزين، أو أحد القصص القصيرة لأنطون تشيخف أفضل من كتب القصة على وجه الأرض، فتعملنا حينها أن السياقات والمقارنات وما وراء النص ونشأة الأديب ومطالعة وبحث ما كتب عنه وعن أعماله يتجاوز مفهوم النص وحدود القطعة الأدبية الأصلية بمسافات شاسعة، وهنا تبرز أهمية تيارات النقد والمقارنة، وحريّ بالذكر هنا قاعدة د. عباس الأصيلة عند لقائه بطلابه الباحثين لأول مرة، حيث كان يرفض معظم الدراسات النقدية التي يعرض عليه الإشرف عليها والتي تقتصر داخل حدود النص/ اللغة الروسية، وكان يتحمس بشكل أكبر للدراسات المقارنة.

ومن هنا فقد تعلمنا قاعدة رئيسية من أستاذنا، وهي أن الأدب كان أقصر الطرق إلى الحياة؛ كونه مشواراً ينقلك بين الفلسفات والاتجاهات ويُقلِبُك بين الحضارات والأديان والاعتقادات والنماذج والتقليعات. وكان ينادي دائماً بتطوير مناهج الجامعة، وأهمية أن تقوم الجامعة ورسالة أستاذ الجامعة في تشجيع الطلاب على المعرفة والقراءة، وأن يقرؤوا ليس فقط من أجل الثقافة، بل للحياة أيضا، وله العديد من الكتابات والخواطر التي لم تُنشَر -وأحسب أن أستاذتنا د. نادية ستساعدنا في نشر الكم الأكبر منها- في هذا الميدان وتتحدث عن آليات تطوير لسياسة التعليم المرحليّ والجامعيّ،

وأتمنى من مقالتنا هذه أن تكون نبتةّ لدراسات ومقالات تتحدث عما قدمه أستاذنا الدكتور محمد عباس، وعلمه الغزير وفيض أفكاره التي أمطرت عقول الكثير من الطلاب والدارسين والباحثين، وفي ذات الوقت هي محاولة لكاتب السطور لأن يرُد ولو جميلٍ واحد لأستاذه من كثيرٍ قد أسداه إليه وأغدق به عليه، ورسالة اعتذار أيضاً لما قصرنا في بعض الأحيان عن السؤال عن أستاذنا، ونقول ليت يعود الزمن ونستثمر كل دقيقة ولحظةٍ قد أتيحت إلينا لمجالسته والاستزادة من ثقافته وعطفه، ذلك الكاتب الذي يفخر بأنه لديه بحث ورسالة قيد التسجيل، وسيعمل عليها بمزيد من الجهد، على الأقل لكي يهديها في نهاية المطاف إلى روح أستاذه، ونسأل الله أن يرحمه واسع الرحمة ويلهم زوجته وابنتيه الصبر والاستمرار في البحث والعمل والإبداع لنستكمل رسالة أستاذنا.

 

اضف تعليق